فخر الدين الرازي

216

تفسير الرازي

كبير ) * في هذه الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه أمر الناس أولاً بأن يشتغلوا بطاعة الله ، ثم أمرهم ثانياً بترك الدنيا والإعراض عنها وإنفاقها في سبيل الله ، كما قال : * ( قل الله ثم ذرهم ) * ( الأنعام : 91 ) ، فقوله : * ( قل الله ) * هو المراد ههنا من قوله : * ( آمنوا بالله ورسوله ) * وقوله : * ( ثم ذرهم ) * هو المراد ههنا من قوله : * ( وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ) * . المسألة الثانية : في الآية وجهان الأول : أن الأموال التي في أيديكم إنما هي أموال الله بخلقه وإنشائه لها ، ثم إنه تعالى جعلها تحت يد المكلف ، وتحت تصرفه لينتفع بها على وفق إذن الشرع ، فالمكلف في تصرفه في هذه الأموال بمنزلة الوكيل والنائب والخليفة ، فوجب أن يسهل عليكم الإنفاق من تلك الأموال ، كما يسهل على الرجل النفقة من مال غيره إذا أذن له فيه الثاني : أنه جعلكم مستخلفين ممن كان قبلكم ، لأجل أنه نقل أموالهم إليكم على سبيل الإرث ، فاعتبروا بحالهم ، فإنها كما انتقلت منهم إليكم فستنقل منكم إلى غيركم فلا تبخلوا بها . المسألة الثالثة : اختلفوا في هذا الإنفاق ، فقال بعضهم : هو الزكاة الواجبة ، وقال آخرون : بل يدخل فيه التطوع ، ولا يمتنع أن يكون عاماً في جميع وجوه البر ، ثم إنه تعالى ضمن لمن فعل ذلك أجراً كبيراً فقال : * ( فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير ) * قال القاضي : هذه الآية تدل على أن هذا الأجر لا يحصل بالإيمان المنفرد حتى ينضاف هذا الإنفاق إليه ، فمن هذا الوجه يدل على أن من أخل بالواجب من زكاة وغيرها فلا أجر له . واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف ، وذلك لأن الآية تدل على أن من أخل بالزكاة الواجبة لم يحصل له ذلك الأجر الكبير ، فلم قلتم : إنها تدل على أنه لا أجر له أصلاً . وقوله تعالى : * ( وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُواْ بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ ) * . وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى وبخ على ترك الإيمان بشرطين أحدهما : أن يدعو الرسول ، والمراد أنه يتلو عليهم القرآن المشتمل على الدلائل الواضحة الثاني : أنه أخذ الميثاق عليهم ، وذكروا في أخذ الميثاق وجهين الأول : ما نصب في العقول من الدلائل الموجبة لقبول دعوة الرسل ، واعلم أن تلك الدلائل كما اقتضت وجوب القبول فهي أوكد من الحلف واليمين ،